مؤسسة آل البيت ( ع )

8

مجلة تراثنا

ومذ أدرك الغرب دور الثقافة جعل طلائع غزوه الحديث للآخر - والمسلمين بوجه خاص أيضا - في صنفين من الكتائب : كتائب التبشير ، وكتائب الاستشراق . . فإذا كانت كتائب التبشير ينبغي أن تقصد الوسط الشعبي العام ، مما سوف يفرض عليها اعتماد الآليات المناسبة في الخطاب الشعبي وأدواته ، من وسائل الدعايات البسيطة والمغرية ، والخدمات الإنسانية والاجتماعية ، فإن كتائب الاستشراق سوف تتفرغ بالكامل لإنتاج الخطاب المناسب للنخب المتعلمة والشرائح الأكثر وعيا . . . إنه مشروع غزو محكم سوف يستوعب المجتمع بأسره . . ولقد حقق الصنفان نجاحات كبيرة وخطيرة ، وما زالا يخوضان المعركة بجد دؤوب . . ويخطئ من يظن أن إرساليات التبشير قد خاب سعيها ، فهي إن كانت لم تفلح في قلب المسلمين نصارى . . فقد أفلحت في استلاب الحس الإسلامي على مدى طويل ! لقد أفلحت في عام واحد - هو العام الأول من هذا القرن الميلادي - أن تخرج 86 % من حملة الشهادات الجامعية في سوريا ولبنان ! لتخلف هذه النسبة العالية من مربي الأجيال وفق مناهجها وأهدافها ! أما في العقود الأخيرة فقد أفلحت حتى في قلب المسلمين نصارى لا سيما في جمهوريات جنوب شرقي آسيا وإفريقيا وألبانيا ، وأخيرا أصبح شمال العراق مرتعا خصبا لخيولها . . أما الاستشراق فلا يشك أحد في أنه قد أصبح ( إماما ) لدعاة ( التنوير ) و ( الحداثة ) منذ مطلع هذا القرن . . إن عملية الغزو الثقافي هذه لم تكتسب شموليتها من استيعابها لشرائح مجتمعاتنا وحسب ، بل من استيعابها أيضا